محمد جمال الدين القاسمي

340

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الفاسدة ، التي يعتمدها الجهلة ، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا ( إن قيل ) لم ذكر الكتابة دون القول ( قيل ) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه ، إذ هو كذب باللسان واليد ، صار أبلغ . لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول يضمحل أثره . ( إن قيل ) : ما الذي كانوا يكتبونه ؟ ( قيل ) : روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم يقولون هذا من عند الله . وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح . وهو أنه يجب أن يتصور أن كل نبيّ أتى بوصف لنبيّ بعده ، فإنه أتى بلفظة معرّضة وإشارة مدرجة ، لا يعرفها إلا الراسخون في العلم . وقد قال العلماء : ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . لكن بإشارات . ولو كان ذلك متجليا للعوامّ لما عوتب علماؤهم في كتمانه . ثم ازداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان : من العبرانيّ إلى السريانيّ إلى العربيّ . وقد ذكر المحصلة ألفاظا من التوراة والإنجيل ، إذا اعتبرت وجدت دالة على صحة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتعريض . هو عند الراسخين في العلم جليّ وعند العامة خفيّ . فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرّفة . وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه ، وتبديل آياته ، وكتمان الحق عن أهله ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، طمعا في عرض الدنيا . وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل ، أعراض الدنيا وإن كثرت . لقوله تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] ، كلام الراغب رحمه الله . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 80 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً بيان لبعض آخر من جناياتهم فيما ادّعوا لأنفسهم من أنهم لا تمسهم النار في الآخرة إلّا مدة يسيرة . ومرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها . لأن كل معدود منقض . قال مجاهد : كانت اليهود تقول : إنما الدنيا سبعة آلاف سنة . فإنما نعذّب ، مكان كل ألف سنة ، يوما . ثم ينقطع العذاب . وروي ذلك عن ابن عباس . وعنه أن اليهود قالوا : لن ندخل النار إلا الأيام التي عبدنا

--> بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء . ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة ، فعمل بها بعده ، كتب عليه وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء » .